الباب الأول: مفهوم الإدارة

أتذكر وأنا طالب في المدرسة الثانوية انه كان يوجد لدينا وكيلا للمدرسة صارم الوجه عبوس القسمات جهوري الصوت أميل للغضب منة إلى الحلم وكان كل كبير وصغير في المدرسة يعمل له ألف حساب وكان هذا الرجل عنوان لانضباط سير العمل فى المدرسة وكان من السهولة الشديدة إن تعرف وجود هذا الرجل الفاضل –عرفنا هذا أخيرا- في المدرسة من عدمه تبعا لحالة الهدوء التي توجد عليها المدرسة, وعرفنا فيم بعد أن هذا الرجل كان اكبر معين لنا على التحصيل ولم نعرف قيمة هذا الرجل إلا عندما انتقل إلى مدرسة أخرى حيث ذهب معه الانضباط وحل محلها الفوضى الخلاقة وهى خلاقة لأنها خلقت جيل من المشاغبين ومعتادى التسيب ظهروا في المدرسة من كل صوب وحدب كأن أسراب من الجراد غزت المدرسة ومنذ ذلك اليوم لم تعرف مدرستنا التفوق والتميز التي كانت علية واستمر التدهور لفترات طويلة بعد ذلك بالرغم من تعاقب الإدارات المختلفة عليها .
وعندما توظفت وبدأت حياتي العملية في محطات البحوث تبين لي أن الفرق بين المنظومة الناجحة والمنظومة الغير ناجحة هو مجرد أسلوب الإدارة المتبع في كلتا الحالتين وان شخصية المنسق العام أو مدير المنظومة هو العامل المحدد لنجاح هذه المنظومة ويا حبذا إذا ما توفرت كوادر متميزة تعين هذا المنسق على تطبيق ما يتفق علية من قواعد ونظم تحقق الفائدة للعمل ولأصحاب المنظومة بدرجة اكبر فيم بعد، فالأمر كله مرتبط ارتباط وثيق بالإدارة  .
وحتى نقرب الصورة نستطيع أن نأخذ مثال بسيط قريب من الأذهان إلا وهو فريق الكرة بنادي الزمالك تجربة حية على المنظومة ومنسق المنظومة , فلقد أدمن فريق الزمالك الهزائم لمدة خمس سنوات وتعاقب علية المديرين الفنيين من كل الأجناس والملل ومنهم من كان يمتلك سيرة ذاتية خرافية وحاولت الإدارات المختلفة توفير لبن العصفور لو لزم الأمر ودار الفريق الملكي في دائرة سحيقة من الفشل الذي أوشك أن يقضى على شعبيته تماما حتى أراد الله أن يرحم جماهير هذا النادي العريق ويسر أن تصل قيادة المنظومة إلى المدير الفني المحترم الكابتن حسام حسن وفى زمن قياسي تحول مجموعة الفاشلين والعجزة إلى سوبر ستارز وظهر منهم كفريق
ما لم يتوقعه اشد المشجعين الزملكاوية تعصبا وكأن صاعقة سحرية قد أصابت الفريق من السماء فبدلت حالة من بؤرة السقوط إلى مثار الإعجاب .
ومما سبق نستطيع أن نستنبط مفهوم مبسط عن الإدارة ومتى نستطيع ان نطلق عليها إدارة ناجحة ومتى تكون على العكس من ذلك
وتحضرني واقعة ظريفة في هذا المجال سألت ذات مرة احد اصدقائى العرب وهو شخصية مرموقة بعد أن قضى مدة شهر في مصر وتجول في معظم الأماكن الهامة والمعالم السياحية وقلت لي أية رأيك في مصر؟ قال لي مصر بلد عظيمة جدا بس (مش مرتبة) أي غير منظمة وتستطيع يا صديقي أن تفتش معي عن مفهوم الإدارة الناجحة إذا ما وضعت تصور واقعي عن كيفية تحويل هذه المدرسة الكبيرة العريقة المتهالكة إلى مدرسة لغات  أو من منظور كروي تحويل الفريق المفكك  إلى فريق يستطيع أن يتصدر المشهد و يجبر منافسيه على احترامه وكذلك تحويل مؤسسة ما تعوم على بحر من التسيب الى مؤسسة منضبطة  محترمة تعمل بكفاءة وبأقل الامكانيات المتاحة ولكى تشعر بقيمة الادارة الناجحة قارن فقط بين الوضع الحالى لأحدى دول جنوب شرق اسيا -والتى كانت منذ خمسون سنة مثار شفقة العالم- وما نحن علية الان من اوضاع  اقتصادية واجتماعية  ومستوى علمى وتطبيقى فى عالمنا العربى واظن ان الكثيرين يلاحظ الفارق الرهيب ويتعجب مع ان نفس البشر من مواطنى العالم العربى حينما يسافرون للخارج تدوى نجاحاتهم فى كل المجالات ويصبحوا كائنات مختلفة  عما كانوا عليه فى موطنهم الاصلى وذلك لانهم انصهروا فى نظام جديد تحكمة رؤية مؤسسية و ادارية محكمة وذات اهداف يتحقق منها الانضباط الخلاق كما ينضبط اداء عازفى الفرق الموسيقية الكبرى بحركات عصى المايسترو دون النظر الى النوتة فتنتج وتبدع اروع النغمات والالحان ولك ان تتخيل يا صديقى كيف سيكون اداء ذات الفرقة اذا ما غاب المايسترو وغابت النوتة او حل مكان المايسترو شخص اخر لا دراية له بالموسيقى  اعتقد ان النتيجة سوف تكون نشاز و ضوضاء وضجيج لايعطى النتيجة المرجوة ولايمتع حتى العازفين انفسهم  وللحديث بقية إن شاء الله.

ليست هناك تعليقات: